الهجوم الأطلسي على روسيا.. من الذي وقع في الفخ؟؟ عندما تخرج القيامة من جسد القديس..
الهجوم الأطلسي على روسيا.. من الذي وقع في الفخ؟؟ عندما تخرج القيامة من جسد القديس..

سنأخذ اليوم الحرب الاوكرانية الى غرفة الاعتراف.. وهناك سنجلس خلف النافذة نسمع للاعتراف السري.. وستقترب الحرب الاوكرانية بهدوء وتقول انها أخفت هويتها الحقيقية فهي ليست أوكرانية بل اميريكية.. والأهم انها حبلى بحرب بين روسيا والناتو وهي تقترب من وضع مولودها.. ولكن أهم اعتراف ستقره الحرب انها فخ روسي للناتو أكثر من كونها فخا ناتويا لروسيا..

قد يبدو من الغريب ان نستنتج أن الفخ الاوكراني وقع فيه الاميريكيون وليس الروس.. فالاعلان عن التورط الامريكي في المشاركة في استهدافات اوكرانية لأهداف روسية أبعد اميريكا عن احتمال انها استدرجت روسيا الى فخ أفغانستان.. ولاأدري ان كان هذا الوقوع هو فخ روسي محكم باستقدام اميريكا الى الحرب.. لأن الجميع يذكر كيف أنه في لحظة اطلاق العملية العسكرية الروسية في اوكرانيا نظر الكثيرون الى ان روسيا أستدرجت بسذاجة الى فخ شبيه بأفغانستان وأن الاميريكيين الآن يفركون أيديهم فرحا ويتبادلون التهاني أنهم نجحوا في ايقاع روسيا في فخ أفغانستان جديد لاسقاطها ثانية.. وأنهم مبتهجون بالانفعال الروسي الذي أخرج بوتين عن طوره فتورط في حرب استنزاف ستجلب عليه الكارثة.. والجميع كان يقول بان الاميريكيين سيتصرفون كما فعلوا في أفغانستان وسيرسلون أسلحتهم وسيبقون بعيدين يتفرجون على الحرب ويحصون القتلى الروس والدبابات الروسية المحترقة.. وسيتابعون مشاهد سقوط الطائرات الروسية بصواريخ ستينجر التي أعطوها للأوكرانيين.. وسيقاتلون بدماء غيرهم كما فعلوا في أفغاستان وكما فعلوا في الربيع العربي..

كنا يومها نضع هذه الفرضية في المختبر لنحلل تماسكها.. وفي المختبر تحللت هذه النظرية وتميعت لأن الاميريكيين لم يقدروا على اطلاق نفس اللعبة الافغانية لدرجة انهم اضطروا هم أنفسهم الى الدخول في المعركة.. فقد وجدوا ان الروس يتحركون وفق استراتيجية تقضي بابادة السلاح الاوكراني واستئصال النازيين وتجمعاتهم واجتثاث اي احتمال لخلق حرب عصابات ضدهم.. وتبين انهم مصممون على أسر الضباط الغربيين المتحصنين في معمل الصلب في ماريوبل الذين كانوا يديرون ويوجهون تكتيكات وعمليات اوكرانية.. وان الامر مسألة وقت قبل ان يعلن استسلام المحاصرين او اجتياح المصنع بشكل عاصف.. وهناك حركة قام بها الروس لاتزال غير مفهومة وهي انهم كانوا حول العاصمة كييف فاذا بهم ينسحبون ومن غير معركة حقيقية.. وقد تسرع البعض بتفسيرها والاحتفال بها.. رغم انها لاتزال غامضة وعصية على التفسير العسكري.. مع أن البعض رآها حركة ومناورة روسية أغرت الناتو بالدخول علنا بعد ان رأى تقهقر الروس وتراجعهم وأراد الناتو ان يشيع انها بسبب تدخله..

ومن الواضح أن الامريكيين قرروا الدخول علنا وكسر قاعدة القتال بدماء الاخرين بعد أن أدركوا الان ان الروس لايدخلون في مستنقع بل يقومون بعملية قضم واعية لمنع استخدام حرب العصابات وبرنامج مقاومة اوكرانية تعيد السيناريو الافغاني.. وأدرك الاميريكيون ان حكاية السيناريو الافغاني سخيفة ولن تنجح ولابد من تغيير التكتيك وعدم انتظار سقوط النظام في اوكرانيا بشكل مسرحي يزيد من شعبية الرئيس بوتين في روسيا والعالم الذي سيخضه انتصار الروس.. مما أضطر الامريكيين الى خوض مواجهة مباشرة مع الروس لردعهم وابطائهم.. فأغرقوا الطراد الروسي بغطاء اوكراني ثم بدؤوا في استهداف مواقع روسية قيادية والادعاء انها عمليات اوكرانية.. أي انهم نزلوا الى الارض في مواجهة مباشرة.. وقد وصلت الرسالة للروس من أن الناتو بثقله ويشحمه ولحمه وليس بسيفه فقط قد دخل في اللعبة..

وهذا برأي كثيرين لم يكن الرئيس الروسي يتوقع ان يحدث بهذه السرعة … ولكنه وجد ان من المفيد تحويله بنفس السرعة الى فرصة لاتفوّت وكأن هذا ماكان يريده الرئيس بوتين ليثبت للشعب الروسي صوابية قراره.. فقد تجنب بوتين لعشرين سنة اي مواجهة مع الناتو لأن الرأي العام الروسي لن يكون متحمسا لمواجهة مع الناتو بلا مبرر وبلا سبب.. وكلنا يذكر ان التدخل الروسي في سورية حاول البعض في روسيا من طوابير اميريكا والصهيونية التحذير منه كونه سيناريو افغانيا.. وانه توريط لروسيا في حرب مع الناتو بشكل غير مباشر وأنه غير مبرر للشعب الروسي.. وعند أول خسارة بشرية روسية في سورية تباكى المتباكون وأحضروا للمخيلة شبح افغانستان… وجهد الرئيس بوتين في محاربة الدعاية المضادة في روسيا لاقناع الناس ان الحرب في سورية هي للدفاع عن شوارع موسكو.. وكان عليه في اي محاولة لدفع الناتو بعيدا عن أسوار روسيا ان يقدم مبررا لهذه المواجهة لأن الروس وطنيون جدا ولكنهم لايريدون حربا بلا مبرر خارج حدودهم..

لم يكن الرئيس بوتين يريد أكثر من هذه الفرصة الثمينة في هذه الفترة التي ستصوره أمام الشعب الروسي على انه بطل تستهدف عهده الناهض اميريكا لأنها تخشى نجاحه ووطنيته الروسية.. وسيكون اي اعلان مواجهة او انتقام من الغرب عسكريا مبررا في روسيا بل ومطلوبا.. وسيسود شعور وطني في روسيا يشبه شعور الامريكيين بعد أحداث سبتمبر..

اعلان اميريكا بدورها في استهداف جنرالات روس قد يكون المقصود فيه اطلاق نقاش حاد في اميريكا للجم الرئيس بايدن عن متابعة التورط المباشر.. ولكنه قد يكون من أجل استثماره في روسيا للدعاية ضد الرئيس بوتين لاشعار الشعب الروسي ان رئيسه ياخذه الى مواجهة مع الغرب.. رغم ان هذا من المرجح ان يكون هو السبب في زيادة شعبية الرئيس بوتين واعطائه التفويض الشعبي العارم بتصعيد المواجهة هو مايريده لاطلاق مشروعه الطموح في اخراج اميريكا من محيط روسيا بالقوة بعد ان فشلت كل الجهود الديبلوماسية.. وكان من الواضح أن الاميريكيين لن يخرجوا من محيط روسبا الا بالقوة..

ولاشك ان سبب تسريب المعلومات عن الدور الامريكي في استهداف الجنرالات الروس قد يكون أن الروس وقعت في ايديهم وثائق وتسجيلات واعترافات لم يعد الاميريكيون قادرين على التنكر لها وسيتم استخدامها من قبل الرئيس بوتين في دعايته الداخلية.. فسارعوا الى اشاعة ان الرئيس بايدن خرف وانه قد لايكون مؤهلا للقيادة وأتبعوها باطلاق الاعترافات بالتورط في اوكرانيا مباشرة عبر مجلة النيويورك تايمز واخراجها على انها حماقة امريكية وان هناك من سيمنع تكرارها لأنها ليست من ضمن الخطة الامريكية القاضية بعدم التدخل المباشر والاكتفاء بالدعم من بعد.. بالقلب واللسان والسلاح فقط..

وغالب الظن ان الحرب الان دخلت مرحلة الرد الروسي.. بعد ان كانت مرحلة الرد الغربي.. فالروس أبناء ثقافة جسدتها تحليلات دوستويفسكي وتولستوي العميقة للشخصية الروسية من أن الروسي يمكن أن يكون قديسا ولكنه لايحب الاحساس أنه أمين لأنه في لحظة ما تخرج منه كل القسوة.. فلايمكن أن تفهم روسيا بالعقل.. وكذلك لايمكنك ان تقيسها بأي مقياس كما يقول المفكر العظيم تيوتشيف.. ولذلك أخفق نابوليون في توقع ردود الفعل الروسية.. وأعاد هتلر نفس الخطيئة القاتلة وظن انه يتعامل مع ثقافة يقيسها بالمسطرة وانه سيخرج القديسين والشياطين من نفوس الروس..

الروس صارت في أيديهم الفرصة.. وسينتقمون وسيردون على الأمريكيين بطريقة مؤلمة.. وهناك عدة ساحات مرشحة لذلك ولكن الساحة البحرية هي الاساسية لأن الطراد الروسي لايقابله الا هدف بحري محترم ومعنوي كبير للأمريكيين.. يقتل من خلاله ضباط أميريكيون مع أن الشرق الاوسط والساحة السورية هي احدى أهم الساحات والتي ستسمح لهم بلعب نفس الدور الامريكي في اوكرانيا.. حيث قد يلبس الروس قفازات حريرية ويضربون باسم مواجهة غير واضحة الهوية بين اميريكا و قوى غير منضبطة او خرجت عن السيطرة..

الرئيس بوتين يخوض مواجهة يوم القيامة الروسية مع الاميريكيين.. وهو يعرف الشعب الروسي جيدا وعليم بالنفس الروسية والثقافة الروسية.. وقد بدأ ياستعمال هذا السلاح الغامض الفتاك الذي نقرأه في أدب روسيا وثقافة رواياتها العظيمة.. فهذه الروح الغامضة التي لاتقاس بمقياس هي التي يتسلح بها بوتين.. وهو يدرك ان الروس كما كانت مواجهتهم لنابوليون بخيار يوم القيامة حيث أحرقوا كل مدنهم وقراهم أمامه.. وفعلوها ثانية مع هتلر.. فانهم لن يترددوا بفعل انتحاري مع الناتو الذي هاجمهم على عتبة بيتهم.. وهم مستعدون للذهاب الى أقصى نهاية واحداث قيامة ثالثة.. ولن يتراجعوا.. وسابقا دفع نابوليون الثمن … ثم دفعه هتلر.. واليوم سيتعلم الاميريكيون ان روسيا لايجب الركون الى انها قديسة وأنها ساذجة وطيبة وانها بيد سكير أو واهم.. فهي لاتقاس باي مقياس.. وكل مواجهة حادة معها هي اقتراب من يوم القيامة.. وقد تذوقها نابوليون.. وتذوقها هتلر.. فمن التالي؟؟

نارام سرجون

مقالات

المصدر: نارام سرجون

الأحد 08 أيار , 2022 02:34
الأكثر قراءة
تابعنا على
أخبار ذات صلة
الأحدث

من نحن

موقع من المحيط إلى الخليج، موقع إخباري تحليلي إلكتروني باللغة العربية، تأسس في اكتوبر 2021، يتناول الأخبار والأحداث العربية والدولية مع تركيز على بؤر التوتّر الساخنة في مختلف المناطق. يختص بكل ما يجري في الخليج والجزيرة العربية والشرق الوسط وفلسطين المحتلة وشمال إفريقيا سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، فضلاً عن أخبار العالم.

من المحيط إلى الخليج - جميع الحقوق محفوظة © 2022